September 1, 2007

كان منبر الثقافة أندلساً .. واليوم هو أندلسية



منذ أن تحط قدميك على أعتاب الباب، أو قل البوابة، تشعر برهبة كبيرة وكأنك تدخل قصراً أتٍ من ذاكرة التاريخ التليد .. زخارف عربية تتراقص بينها تشكيلات الحروف العربية .. ويكاد الزجاج شبه الشفاف أن يشي عما بداخله من خلال هذه الزخارف وأشباه الكلمات.

لم تكد أصابعك تلمس قبضة البوابة إلاّ وتجد ( حاجبَيْن ) بزي الفيروز الغامق الذي ينم عن ذوق أهل الاندلس الرقيق، يفتحان لك الباب بابتسامة هادئة على امتداد ذراعيهما يرحبان بقدومك ..
لو كنت تزور هذا القصر الصغير لأول مرة، ستخطفك أول نظرة وتتركك جاحظ العينين معلناً صحة المقولة التي زعمَتْ قبلاً ( الحب من أول نظرة ) .. وتتنفس هواءً أقل ما يقال أنه عليل .. هو يقتحم أدق تفاصيل القلب ويسلب لبه، ترى ما يحبس أنفاسك ببساطته وعنفوانه .. بهدوءه ورقته وحيويته ..
في كل شئ هناك تفاصيل تحكي حكاية الدولة التي كانت .. والعظمة التي توَّجَتْ عين الزمان قروناً ..
أول ما يخطفك هو البياض الناصع في كل الزوايا .. ولنبدء من السقف .. هو سحابة من سكون تحوم في المكان تحوله إلى هنيهات من صفاء .. ثم لا تلبث أن يخطف باقي المكان بما تبقى لك من اهتمام .. وتكون الهدية التالية هي تلك السواعد التي تعلو بشموخ تشبه أخواتها في المسجد النبوي الحبيب ..

أما بيت القصيد .. لا تترك فرصة دون أن تميل إلى اليسرة قليلاً كي تجول في ( بيت الحكمة )، تقطف ما يحلو لك من أمهات الكتب وأنفعها، ولتختَر أي موضوع يخطر على بالك
وحيطانها التي تحكي في كل فسحة حكاية إبداع يريق أسراره أمام ناظِريه .. لا تسكت الحيطان عن سرد قصص الإصرار والروعة بين محفوراتها و أقمشتها الملكية، بطابعها الأندلسي طبعاً، و تأتي رقصات بين ابجدية وترانيم ألوان تنام كاللؤلؤ في براويزها الأنيقة .. قد تجد تحت بعضها بخط صغير اسم من رسمها تبوح لك بكلمة السر.
وعلى صفحة البياض التي تكاد تعكس خطواتك وأنت تمشي عليها ترى حولك العديد من المجالس النصف دائرية يتوسطها طاولة نحاسية بأشكال زخرفية إسلامية عالية الطراز لكل منها روحها وعبقها، فكأنك وأنت تجلس على إحداها بصحبة أمير المؤمنين .. أو فـَـلْأَقُلْ لك، ستعطي نفسك الإذن بأن تكون حكيم زمانك ولو لدقيقة، عندما تجد المسند المخملي الملمس الذي تتكئ عليه يكتب لك شيفرة من خلاصات العِبَر، نعم، فكل مسند منه مكتوب عليه أبيات شعر خُطَّتْ بأقلام الذهب بتناغم لوني عجيب، وأنت وما اخترت أن تتكئ عليه ..
و لا يغرنَّك الهدوء الرابض في المكان، فالأناشيد الصدَّاحة الآتية من صميم المحبة تنساب بحنان من بعدٍ رابع كي ترسو في قلبك وأنت تقرأ أو تحتسي شراب الورد الأندلسي ذي التوليفة السحرية أو تشرب من الشاي الأندلسي أو تتناول بضعاً من الشطائر، ذاتها التي كانت تصنعها أمهاتنا اللاتي كنّ في زمانِ أندلسا، وقد تريد أن تصنع توليفتك الزمنية الخاصة .. أن تكون في الاندلس وتطلب عصيراً فرنسي المذاق أو تخترق حاجز المعقول وانت تتصفح شاشتك العجيبة لترى ما أتاك به أصدقائك من الأزمنة الأخرى كأن ترى ايميلك أو تتصفح جوجلك مثلاً ، فقط أفرك كفيك ليلبيك الخدم والحشم.
وهناك عند آخر القاعة اتجه يمنة بسيطة لتجد خدراً ثميناً كٌتِبَ على جبينه ( قاعة الزهراء ) .. غرفة حميمة للاجتماعات مزودة بكل طاقات الزمن القادم لمن يختارها ليتم عمله .. وصعوداً عزيزي تجد جناحاً آخراً امتداداً لما تحته دون أن ينقص من تلك المنظومة الأندلسية ..
ولا تنسى أن تلقي نظرة إضافية للضيوف أمثالك القادمين من المستقبل كي ينعموا وينهموا من أزاهير الرضا .. ولترَ كيف تكون هنأة العيش والأمان، وكيف يكون الإحساس بالأهل والصحبة، وليس ضرورياً أن تتحدث معهم أو مع أحدهم، فالابتسامات التي تتوزع عنوة أو بدون عنوة تنتشر معطِّرَةً فضاء المكان .. ولن يكون عندك بعد كل ذلك أقل تعجب لو رأيت ابن السبع أو أقل ينهمك في قراءة كتاب يحتضنه بين كفيه، فأنت قد أعلنتها منذ دخولك أنها الجنة المفقودة ..
Hollywood planet وكما لمطعم
ضيوفه من النجوم المتميزين ، فلمقهانا هذا نجومه أيضاً، ولنقل أنها كوكبة من النجوم، ف أندلسية تستضيف فيما تستضيف أعلاماً نحمد الله أنهم بيننا ونكن لهم كل العرفان على ما يفعلوه كي يزيحوا غبار الجهل عن كنزنا الثمين "الإسلام" .. د. طارق سويدان ..الحبيب علي الجفري ... د. علي أبو الحسن ..د محمد العوضي..الشيخ حمزة يوسف، وغيرهم ممن لا تحلو لهم زيارة جدة إلاّ بتلمس أطياف الدولة العظيمة، دولة العزيمة، أندلس المسلمين الحقة .. ولا تبدوا أطلالاً .. فهي حلمُ الأمس بناه أملُ اليوم في حُلُم المستقبل.
المكان يوزع الطاقة مجاناً لذوي الاحتياجات الخاصة ممن يملكون عقلاً يفكر وقلباً يتفكر .. والهوية "أنا مسلم" .. فالمكان يضع بين يديك كتيباً إسلامياً متواضعاً إنما راقياً .. يجعلك تعيد تفكيرك مرة أخرى في دينك الذي تجد خلاصته في هذا المكان "الدين المعاملة" .. وبعد ذلك لن ترمقني بعلامة تعجب لو قلت لك، كما رأيتُ بأم العين، أن هناك من العاملين فيها من أسلم نفسه وقلبه لله تعالى وأعلن رجوعه إلى روح الحياة "الإسلام" ونطق الشهادتين فقط بسبب ما رأه وتعومل به في هذا المكان.
وبدون كل ذلك ، فبمجرد جلوسك هناك في إحدى الزوايا متأملاً كل أحد وكل شئ، هذا في حد ذاته قمة الثقافة .. في مدينة تعج بكل شئ .. ما زالت فارغة حتى كانت ولادة التحضر ( مقهى الأندلسية ) .. المكان الذي يعلن كل يوم أن الإنسان ما زال يكبر ويرقى ويرتقي بمن حوله .. وبتزايد مرات الحضور إليها يعلن مرتادوها أن الإنسان بطبعه يبحث عن نقاء الهواء ولا يهم كم عمرك أو من أين أتيت أو الماركات التي ترتديها أنت أو أحد أفراد عائلتك.
وابن هذه الحضارة يحاول أن يقول شيئاً من خلال هذا الـ ( كوفي شوب ) بالهوية التي أخذت منه كل الحب الذي بات واضحاً في كل أرجاء المكان .. أحمد الشقيري .. يعلن بزيه الكاجوال حقيقة لم نكن نراها أو لم نكن نصدق أننا قد نراها في وقتنا اليوم ..
أندلسية .. تخبرنا بطريقتها الخاصة أن الباب مفتوح أمام الشباب لألف أندلسية قد تنجبها الأيام القادمة، وهذا أملاً يطير في سماء من قال بأن الحياة انتهت عند لا شئ.
بانتظار المزيد المزيد

4 comments:

tohamy said...

انا سعيد بمدونتك

deja vu said...

وأنا أيضاً سعدت بمروري المتكرر على مدونتك الرائعة

Anonymous said...

مشروع جميل سمعته عنه وها أنا أقرأ اليوم هنا...شكراً للمدونة المتميزة تقديري، محبتي

deja vu said...

زائري الكريم شكرا لك انت لمرورك لدي

لكن مهلاً .. لا يكفي أن تقرأ .. هي تجربة عليك خوضها ثم .. اذكرني بالخير عندما تكون هناك

تقديري لك أنت أيضاً