September 10, 2007

دعني اُحبك للأبد .. رسالتها من هناك


صوتٌ مفاجئٌ آتٍ من عمق الغفوة الطويلة تحمله شعاعات أطباق فضائية تخترق عيناي المغمضتان ..
"استيقظي .. أصبحنا في منتصف اليوم" .. 



قالت لي "الطبيب ينتظر منذ فترة .. كان وحيد يناديك .. ألم تسمعيه!"

حدجتُ بنظرات الغضب في الصوت القادم ..

ثلاثون عاماً كان يسبق حدسي صوته المسافر إليّ .. كنت أجيبه قبل أن يناديني .. كيف لم أسمع صوته هذه المرة! ولماذا اليوم .. وبعد هذه السنين .. يناديني .. و .. لم أسمع!

"ما بالك .. ترفقي بي .." 



.. تنفضني الفجأة من مكاني وتقذفني حيث ينام حبيبي .. تأملتُه طويلاً .. لا أعلم كم من الوقت بقيتُ واقفة دون حراك .. ولا أعلم أين رحلت هذه الدنيا عني وأنا أمشي بين سكنات ملامحه .. كيف لم يشعر بوجودي حتى دون أن أهمس ، كما عوَّدَني؟

أعتقدُ أن بقايا الألم الذي كان، والساكنة تحت عينيه المغمضتين، استغرقتا مني معظم عناء هذه الرحلة .. حتى وهو نائم يبكي ودموعه افترشت جفنيه كيما تبقيان متأهبتان لتجربة ألمٍ جديدة

فتح عينيه .. ومعهما طاقَتَيْ أمل .. كان ينظر إلي .. ولم يكن ..

تدور عينيه في أرجاء من البعد الآخر .. ثم يبكي .. ويبكي

ينظر إلي وكأنه لم يراني منذ دهر وهو الذي لم تفارق عينينا بعضهما طوال سنين

وكأن عينيه تتوعدانه بوابل من الدموع إذ يستيقظ، أن قُم واحتفل بقدوم ألم جديد

"ربي .. كم هو وسيم الملامح .. ؛ أشتاق إليك حبيبي بدون قناع المرض الذي التصق على وجهك وكل جسدك"

طبعتُ قبلة تخبره هذا الكلام عني .. فهو لم يعد يستطيع أن يسمع كلامي .. لم يعد يفهم من لغة الكلام سوى الآلام

طرقاتٌ على الباب لم تنتظر .. دخلتْ والدة زوجي تعلمني بأن الطبيب خلفَها ..

نظرته إليَّ كانت كوكالة أنباء حُبلى بأخبار الكرة الأرضية التعيسة، كان يريد أن يرى في عيني أني أعلم ما يريد قوله كي يبتعد عن كونه نذير شؤم

"كيف حاله اليوم ..." .. هو لم يكن يسأل .. هو يستدرك بداية إجابة سبقته بها عينيه. غريب أن يكون طبيباً بارعاً ورقيق القلب في مواقف مشابهة

لم يرد عليه أحد .. فأنا عدتُ أبوس الأرض التي تسكن وجه حبيبي .. غرقتُ فيها مجدداً .. لا أريد أن أطفو على سطح الحياة بدونه مرة أخرى

"من يسبق من أيتها الشهرزاد ؟" .. وتعلو الضحكات ..

أدمعي التي غطت عني الدنيا .. أخذتني كمرآة سحرية إلى أيام شهر العسل .. أسمع صوته، يركض خلفي حيث تلك التلة الصخرية فوق إحدى شواطئ اليونان .. نذهب إليها ليلاً حتى تجدنا نجمة الفجر .. أظل أحكي لحبيبي حكاياتي العجيبة التي جمعتها من قراءاتي للقصص والروايات

كان كل مرة هو الذي يسبقني .. فأنا أخاف كائنات الشواطئ .. وكنت أتعثر دائماً .. وهو من كان يحمل لقب "ملك التلَّة" كل مرة

 " لا بأس يا ملك .. ابقَ ملكاً .. وابقَ في حياتي " ..



 انتَفَضْتُ ، وكعويل بركان .. أذرفتُ فيضان الذكريات بغمضة عين .. وأفقتُ على صوت الطبيب يناديني ..

"كنت أناديك .. لأقول لك أن ...."

لم يُكمِل الطبيب كلمته .. أصبح يرى نفسه هذا النذير الذي تنفر منه الناس .. فهو كان يريد أن ينبهني إلى شئ

فتحتُ عيناي ..

كانت الحياة أمامي تندثر .. ولمعة الروح تنطفئ ..

حبيبي ينظر مجدداً إلى لا شئ .. "خنتني يا حبيبي .. وتنظر عيناك إلى غير عيناي"

كنتُ قد تهيأ لي أني هززتُه بقوة .. كنتُ قد تهيأتُ أني صرختُ بعلو الفجيعة .. كنتُ قد تهيأتُ أني أصرخ وأصرخ ..

لكن ما حدث .. أني .. ظللتُ واقفة .. أجافي اللحظة علَّها ترتدع وتعود .. تعود بحبيبي ولو دقيقة أخرى .. أريده أن يحضنني .. أريده أن يبقى معي .. ولو .. دقيقة

لم يحدث كل ما خُيِّلَ لي أني فعلتُه .. فقد كنتُ دخلتُ في خندق الصاعقة .. حيث في الطرف الآخر منه أصارع كل من يقترب من حبيبي ليأخذه بعيداً

شهقته الأخيرة ..

وآخر مرة أسمع فيها صوتَ إنسان .. أخر مرة ترى فيها عيناي شئ .. أخر مرة يكون لجسدي مكان

زحفتُ بروحي التي تمزقني .. تزهق مني .. وإذا بي في غرفتي .. أمام المرآة

لا أعرف من كان يكتب على المرآة بالحبر الأحمر القاني هذا .. الكلماتُ تكتبُ ذاتها، ألحقها لأقرأها


يقول قائل "كسرتي المرآة وشرختي بها كل أواصر كيانك وجسدك .. ثم ذهبتي"

وأقول "كيما تحبني للأبد .. دعني أحبك للأبد .. ضمونا معاً كما اعتدنا أن نفعل"

لا .. بل .. كتبت


"مذكرات آخر أيام حياتها"
-مٍن روايتي التي لم تكتمِل-

لونا

4 comments:

محمد مارو said...

وأقول "كيما تحبني للأبد .. دعني أحبك للأبد .. ضمونا معاً كما اعتدنا أن نفعل"

deja vu said...

:(- - -

تحياتي لك مارو

شمس جدة said...

ghurba

حرفك النابض افتقدناه في المنتدى ومن حسن ظني أنني وجدت الطريق الى مدونتك الراقية.

كلمات رومانسية تعانق الحُلم

سجلي اعجابي و تقديري

شمس جدة
http://www.jeddahsun.com/vb

deja vu said...

شمس جدة

لطالما كان مرورك عبقاً .. ودائماً أنت المميز الذي تنحني لحضوره كلماتي

دائماً .. أهلاً بك في بيتي الصغير