December 31, 2007

نجيب الكيلاني .. منحوتة أدبية



كانت ترتعد فرائصي وأنا أقرأ سيناريو المسرحية التي سأؤدي فيها دوراً رئيسياً ومرعباً في ذات الوقت، لبسني الخوف وأنا البس رداءه وانظر بعينيه وأتكلم بلسانه وأحكم في رقاب زميلاتي الممثلات من كُنّ يلعبن أدوار الضحايا .. لم يكن الخوف هو رهاب المسرح، مع أني خجولة الطبع وكانت أول مرة أدخل فيها أبعاد خشبة المسرح – بل لأني من شدة تقمّصي وكرهي للشخصية نسيتً كل شئ حتى أعصابي التي فرطتْ مني وقتها

المسرحية "عيد البوريم" .. والبطل "حاخام اليهود" ..اعتقد أنّي ظلمتُ ذاك الرجل الذي لا أعرف، حين تعمقت كثيراً في شخصيته حتى أن الحاضرات كدنَ يقتلنني كرهاً!! ..لم أنسَ تجربتي هذه .. علّ السبب هو القصة التي جسدتُها أنا و زميلاتي .. فلا عجب .. ولكن .. بعد سنين لم تبرح هذه التجربة صندوق ذكرياتي .. وأفاجأ برواية دم لفطير صهيون بين أرفف المكتبة لترجع إلى ذهني تجربة لم أنساها على مر السنين .. ضممتها وكأن صقراً سيهبط ويفترسنا معاً وهرولتُ إلى الكاشيير لأدفع له ثمناً بخساً لهذا الكنز الرفيع الشأن

اسمين مختلفين لنفس القصة .. فهذا الدم الذي يغذي شرايين صهيون يُحتَفَلُ به كل عام في عيد البوريم !!قد أكون تلهفتُ على هذه الرواية لأني كنتُ أحد أبطالها يوماً .. ربما .. لكن في هذه الرواية شيئاً .. فأنت حيثما تبدأ القراءة تسافر في الكلام وتنسى من أنت لتتقمَّص أنت الآخر إحدى شخصياتها وكأنك على خشبة المسرح، وكلامنا ليس عن الرواية .. بل عن كاتبها

كاتبها الذي أتعبني في أربع وعشرين ساعة فقط ما قدره سنة حينما طُلِبَ التعرف إليه من صورته التي لم أكن رأيتها قبلاً ..كان سؤالاً وُضِعَ في مسابقة منتديات عائلة الزبدة .. وكان أيضاً من حظي – والإعلام غافلُ عن ذكره لنا – أن أكون من بين القلائل ممن يذكره ، هذا مع علمي أني بأسطري القليلة هذه مجحفة في حقه كجميع منابرنا الإعلامية ..ومن هنا حق عليَّ أن أجعل هذه الزاوية مقص التدشين في يد كاتبنا العظيم نجيب الكيلاني




قيل عنه أنه الأديب الوحيد الذي خرج بالرواية خارج حدود بلده، وطاف بها ومعها بلداناً أخرى كثيرة متفاعلاً مع بيئاتها المختلفة والتي روايتنا التي استشهدنا بها آنفاً واحدة منهم

لو جمعنا جميع أعمال الكيلاني معاً في مكتبة واحدة لعرفنا أن أحق ما يجب أن يقال أنه ترك لنا إرثاً ضخماً يضاف مع جملة التراث العربي شرقه وغربه. فهو الذي قدم لنا لهجة جديدة باعتبار الأدب العربي لغة أفكارنا وتاريخنا كعرب ومسلمين والانتماءة اللغة العربية. لهجة تقدم جميع مكنونات الأدب في قوالبه بين رواية وشعر و دراسات نقدية وفكرية بطريقة لم يكن لها سابقة في هذا الخط .. جاعلاً له هويــة إسلامية حضارية على غير ذي عهد

قال عنه نجيب محفوظ "إن نجيب الكيلاني هو منظّر الأدب الإسلامي الآن"؛ ذلك لأن مقولاته النقدية، وأعماله الروائية والقصصية تشكل ملامح نظرية أدبية لها حجمها وشواهدها القوية، التي عززتها دراساته حول "آفاق الأدب الإسلامي" و"الإسلامية والمذاهب الأدبية"، و"الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق" ومدخل إلى الأدب الإسلامي"، وتجربتي الذاتية في القصة الإسلامية"
المنظَّر الإسلامي الأول .. ما تعنيه هذه الكلمة هو أن أدب الكيلاني ينطلق من رؤية إسلامية ليعبِّر بالوسيلة الفنية الإبداعية عن قيم ومثاليات دينه ومعتقده، فقد جمع بين التنظير والتطبيق، فله الإسلامية قياسًا على المذاهب الفنية الأخرى، مثل الكلاسيكية والرومانسية، وله من رواياته ونظرياته خمسة كتب كاملة عن مفهوم الأدب الإسلامي، فخرج عن الإقليمية ليطرحَ قضايا تهمُّ الأمة الإسلامية متناولاً في ذلك أزمات وجروح شتَّى في جسد العالم الإسلامي، أضف إلى ذلك إحساسه العميق بتكثيف الجمال الفني المرتبط بالغموض أحيانًا في بعض أعماله. إلا أنه لا ينسى مسئوليته تجاه القارئ ، وخوفه من أن يقع في براثن الفهم الخاطئ، فتراه في كل أعماله ينبض بخيوط الوعي المتيقظ، التي تجعل من كتاباته الروائية متعة خاصة وقتًا مكتملاً
إنَّ كفاح نجيب الكيلاني لتقديم الرواية أو القصة الإسلامية، يمثِّل انعطافة كبيرة في مسيرة الأدب الإسلامي، ليس في مواجهة أعدائه فحسب، بل في مواجهة بعض ضيقي الأفق الذين يرون في الأدب عموماً ترفاً يجب أن يترفَّع عنه المسلمون، وما علموا أنَّ العلاقة بين الأدب والدين علاقة حميمة، أو كما صوَّرها "هنري برجسون" بأنَّها علاقة نسب، عندما قال: إنَّ الفنَّ ابن الدين. ونسوا أو تناسوا أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كان يستجيد الشعر ويستنشده، وكان يحثُّ حسّاناً على استخدام شعره في معركته ضد المشركين، وأنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يُعدّ أوَّل ذواقةٍ للشعر وناقدٍ له من الخلفاء الراشدينهو قد قدم لنا تلك الرؤية التي أثبتت بالتّجربة النّاجحة أنّ الأدب لا يعني التقوقع أو الانحصار في دائرة ضيّقة إنّ رؤيته لمفهوم الكتابة الإسلاميّة تنطلق من قناعته بأنّ " آفاق القصّة الإسلاميّة رحبة، وأنّها تستطيع أن تخوض في شتّى المجالات، وتتناول مختلف الموضوعات دون خوف في إطار الرؤية الإسلاميّة، أو قيم الإسلام ومبادئه، فالعبرة بالانطباع الأخير الّذي تخلّفه القصّة والهزّة الرّوحيّة الّتي تبعثها في الإنسان، والتّغيير الفكريّ والسّلوكيّ، وليس مجرّد وجود مشهد عاطفيّ، أو حركة نابية أو كلمة جارحة، بمُخْرِج القصّة الإسلاميّة من إسلاميّتها، وإلاّ لما استطعنا أن ننتج أدباً إسلاميّاً حيّاً " وهي رؤية قد لا يتّفق عليها كثير ممّن انضمّوا إلى الرّابطة وأصبحوا أعضاء فيها دون عمل يمكن أن يميّزهم عن غيرهم

فالكيلاني ينطلق في نظرته من المفهوم الواسع للأدب الإسلاميّ، إذ ينتقل في رؤيته من الذّات المباشرة إلى النّصّ المكتوب، فهو يمثّل الأدب الإسلاميّ من منظور إنساني خالص، تجده يقول: " إنّ القصّة الّتي تفنّد مزاعم خاطئة فاسدة من المنظور الإسلاميّ هي قصّة إسلاميّة، فالأدب الإسلاميّ لا يركّز على عظمة المبادئ والقيم الإسلاميّة والحضارة الإسلاميّة وحدها، ولكنه لابدّ من أن يتعرّض للأفكار والمبادئ والممارسات الشّاذّة الّتي تتناقض مع روعة الإسلام وعظمته". وهي ـ هنا ـ رؤية واضحة يمكنها أن تزيل الّلبس الّذي أفرزه كلّ من جاء بعد الكيلاني منظّراً للأدب الإسلاميّ وكان بعيداً عن ميدان الكتابة الإبداعيّة وآفاقها

إذ كيف يمكن أن نقنع كلّ الّذين يرون الخروج عن الكتابة الإسلاميّة بشموليّة النصّ المكتوب لنصّ عاطفي، أو وجود رجل وامرأة داخل النّصّ، أو حضور السّيجارة في عمل، أو السينما أو الغناء والموسيقى، بينما يلحظ القارئ النّهم لأدب الكيلاني أنّ تلك المحظورات وردت بأشكال مختلفة ومتعدّدة في جلّ أعماله الروائيّة الّتي كان آخرها أو ما قبل الأخير روايته "أميرة الجبل"، لأنّه يؤمن بأنّ العبرة من العمل تكمن في الانطباع الأخير

قدَّم للمكتبة العربية عدداً كبيراً من الروايات والقصص القصيرة و القصائد، وهي غالباً محمومة بالتصوُّر الإسلامي وصادرة عنه، ومن خلال هذا الإنتاج القصصي الغزير استطاع أن يقدِّم النموذج الإسلامي في الرواية والقصة

بدأ كتابة الرواية الإسلاميّة عندما ألّف

"ليالي تركستان"، "عمالقة الشمال"، "عذراء جاكرتا"، و"الظل الأسود"، و مزج التاريخ الإسلامي بالخيال الأدبي في رواية "عمر يظهر في القدس" وظهر تأثره بالثقافة الأسلامية في رواية "الطريق الطويل"، "أرض الأنبياء"، "نور الله"، "قاتل حمزة"، "نابليون في الأزهر"، "النداء الخالد"، "رحلة إلى الله"، "مواكب الأحرار"، "اليوم"، "أرض الأشواق"، "حارة اليهود"، و "دم لفطير صهيون"

وبدا تأثره بالبيئة المصريّة في رواياته

،"اعترافات عبد المتجلي"، "أقوال أبو الفتوح الشرقاوي"، "ملكة العنب"، "مملكة البلعوطي"، "أهل الحميدية"، و "الرجل الذي آمن"

وبرز في الرواية التاريخية من خلال "على أسوار دمشق" ، وعبّر عن معاناة اُمَّته خلال حكم الفرد في دواوينه الشعرية "أغاني الغرباء"، "عصر الشهداء"، "كيف ألقاك"، و "نحو العلا"

وكتب في النقد الإسلامي "الإسلامية والمذاهب الأدبية"، "آفاق الأدب الإسلامي"، "مدخل في الأدب الإسلامي"، "نظرية الأدب الإسلامي وتصوراته"، و "المسرح الإسلامي"

وكتب في الثقافة الإسلامية "الطريق في إتحاد إسلامي"، "الإسلام والقوى المضادة"، "نحن والإسلام" ، "تحت راية الإسلام"، "حول الدين والدولة"، و "أعداء الإسلامية"

وكتب في الطب "في رحاب الطب النبوي"، "الدواء سلاح ذو حدين"، "الصوم والصحة"، و "الغذاء والصحة"

وله نحو عشر مجموعات قصصيّة منها

"موعدنا غداً"، "العالم الضيق"، "عند الرحيل"، "دموع الأمير"، "فارس هوازن"، و "حكايات طبيب"

وفي التراجم كتب "إقبال الشاعر الناثر"

كتب سيرته الذاتية في "لمحات من حياتي" وقبل رحيله ترك ثلاثين فكرة لثلاثين رواية إسلامية ودونها في مفكرة صغيرة عن مشكلات المجتمع المسلم

في أيام الرحيل أبدع مسرحية "حبيبتي سراييفوا" التي لم ينتبه إليها القرّاء والنقّاد، فلم يذكرها كاتب أو ناقد حتى الآن. وهي تعالج الأوضاع المأساوية في البوسنة والهرسك، وتقدم الأمل من خلال رسالة التبشير والتطهير التي يحملها الفن الإسلامي

تحول الكثير من أعماله الروائية إلى أعمال فنية، حيث فاز فيلم "ليل وقضبان" عن روايته "ليل العبيد" بالجائزة الأولى لمهرجان طشقند السينمائي عام 1964، كما تحولت رواية "الليل الموعود" إلى مسلسل إذاعي وتليفزيوني إنتاج مصري ليبي مشترك قدّم في شهر رمضان باسم (ياقوتة ملحمة الحب والسلام) عام 1973م

ترجم الكثير من أعماله إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والأردية والفارسية والصينية والإندونيسية والإيطالية والسويدية

الخلاصة، إن أيسَرَ ما يُقال عن نجيب الكيلاني أنه كان واحدًا من أعظم الروَّاد في الإبداع والنقد الإسلامي دون إسراف أو إغراق في المبالغة

” ليلك يا دمشق تسكره الظلمات ، وآلامك يا دمشق ترقبها النجوم الساهرة في طول السماء وعرضها ، وذكريات الأمس يا مدينة التاريخ العظيم تفيض بالدماء والجراح والمعارك التي لم يزل يتردد صداها عبر السنين ، والعسس يا دمشق يجوبون طرقاتك الخالية المقفرة في صمت ويقظة ، مخافة أن ترتفع رأس باعتراض ، أو تنطلق صيحة تطالب بالحرية ، أو يثب فارس بمدفعه يبدد السكون؟ ويحيي الموات ، ويشعل الحرب من جديد ، الغزو والامتيازات الأجنبية يثقلان على كاهلك ، ويحجبان وجهك المشرق العريق ويمرغانه في التراب ، لكنك لم تستسلمي للفناء ولم ترضخي للذل .. لأنك يا دمشق من قديم قلعة الأحرار والإيمان .. ومنارة الإسلام والبطولات "

"أنا لست أرضى أن أعيش بشاطئ الدنيا غريب
في معقل الصمت الكئيب على ثرى واد رهيب

الحزن أغنيتي وأحلامي يوشيها الشحوب

أنا لست أرضى أن أكون صدى هزيلاً في الدروب

إن الحياة على الغريب أشق من هول الممات

مضجوعة النجوى معذبة الخواطر والسمات

وشروقها مثل الغروب، وشدوها لحن النعاة

فهي الفراغ المدلهم ومدفن للأمنيات.."


مع تحيات

نجيب الكيلاني
______________________________
المراجع
اسلام اون لاين ، لها اون لاين ، الموسوعة الاسلامية ، باب.كوم ، موقع جريدة الوطن ، الملتقى ، و موقع اخوان ، "دم لفطير صهيون" الرواية

3 comments:

Ragi said...

برافو برافو برافو
قد عمت الفائدة جزاك الله خيرا يافتاتى
وكنت حتى اليوم اعتقد بوجود كيلانى واحد فى تاريخ الادب الا وهو كامل الكيلانى اديب الاطفال المشهور
وشكرا لكى اتضح ان هناك كيلانى اخر هو الدكتور نجيب الكيلانى

deja vu said...

Ragi

تصدق اول مرة اسمع بهذا الاسم كمان وكدة انا حعمل بحث عنه واكتب عنه ان شاء الله

الظاهر انه بيت الكيلاني مبدعين ومظلومين اعلاميا الا "عائشة الكيلاني" هههههههههههه حظوظ بقى نعمل ايه

شكرا لمتابعتك

FiryaL said...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

رواية اكثر من رائعة ،، لقد وجدتها مصادفة بين كتب والدي فالكتاب موجود في منزلي منذ أكثر من 20 عاام !! ولكني لم أجده إلا يوم الخميس الفائت .. قاربت على الإنتهاء منه .. وأستطيع ان ابصم بأصابعي الخمسة أنه واحد من افضل ما قراءة حتى اليوم ... وبه من الحقائق ما يرجرج البدن من الخوف والإشمئزاز ... كتاب اكثر من رائع حقيقة ..