November 24, 2008

مسلَّمات أبو جهل


قال لي بعض أصدقائي المشاكسين : هل حقاً أنت ترتشفين قهوتك عندما تقرئين المقالات التي تستضيفينها في مدونتك هنا؟ .. قلتُ : بالتأكيد نعم ، فأنا بعد عمل مجتهد طوال اليوم آتي في نهاية اليوم أحمل فنجان - أو قل "ماج" - قهوتي الصغير وأضعه أمامي وارتشفه بين كل هنيهة وأنا أتفصح مقالات أصدقائي المدونين وغير المدونين

وصل فنجاني إلى منتصفه دون أن أدري وأنا أقرأ مقال
هشام صاحب الكلام ، الذي أعجبني عنوانه تماماً كما أحببتُ مضمونه .. تفضلوا معي ..



المُسَلَّمَة فى علم الرياضيات هى القاعدة الرياضية المُسَلَّم بها و لا تقبل النقاش و التى تم اثباتها رياضيا بحيث يمكن استخدامها كقاعدة تبنى عليها قواعد اخرى او تحل بها المسائل الرياضية و تستخدم كذلك فى البراهين

و اذا كان مفهوم المُسَلَّمَة يمكن الاخذ به فى الرياضيات حيث لا يختلف اثنان على ان 1+1=2 فأنه من غير المفهوم ان يمتد مفهوم المُسَلَّمَات و القواعد التى لا تقبل النقاش الى العلاقات الانسانية و الاجتماعية بين البشر بحيث اصبحت هناك مجموعة من المُسَلَّمَات تأخذ شكل البديهيات و الامور المعترف بها ضمنا رغم انه لا يوجد اى مبرر منطقى لها يجبرنى على اعتبارها الاختيار الوحيد امامى او الطريق الصحيح الذى يجب ان اسير فيه

و تأخذ هذه المُسَلَّمَات مسميات متعددة مثل العرف و العادات و التقاليد الموروثة عن الاباء و الاجداد و التى يجب احترامها و اتباعها دون نقاش و تختلف هذه الاعراف و العادات و التقاليد الموروثة من بلد الى اخر بل و من اقليم الى اخر داخل نفس البلد

قد ينظر البعض الى هذه المُسَلَّمَات على انها جزء من هويته و موروثه الثقافى و الاجتماعى و الدينى رغم انها قد لا تشكل اى عمق اجتماعى او تمثل اى مفهوم ثقافى او دينى و لكنها مجرد مجموعة من الافعال و التقاليد التى تجرى بتتابع و اسلوب معين دون ان تعرف ما دلالتها و ما الهدف منها و لا تشكل سوى عبء مادى و نفسى زائد على من يقوم بها مضطرا حتى لا يتهم بمخالفة العرف و القواعد و التقاليد

قد يكون هناك تفسير او مبررلأتباع هذه المُسَلَّمَات اذا كانت نابعة مثلا من اوامر و نواهى دينية ففى هذه الحالة فهى لها مبرر منطقى و مقبول...أما اذا كانت مجرد نابعة من عادات و تقاليد و موروثات الاباء فلابد فى هذه الحالة ان اقتنع ان لها سبب منطقى وواقعى مناسب للعصر الذى نعيش فيه و الا كان فعلنا لها و حرصنا عليها هو مجرد لاننا وجدنا عليها ابائنا و نكون بهذا نضع بايدينا اغلال و نحمل انفسنا اعباء نفسية و مادية تجعـل حركتنا اصعب و حياتنا تعس و لا نختلف فى اتبعانا لها عن سلوك اهل الجاهلية الاولى الذى كان تفسيرهم لعبادتهم الاصنام التى لا تنفع و لا تضر هو ان هذا ما وجدوا عليه اباؤهم ففعلوا مثلهم

و الشىء الخطير هو اختلاط هذه المُسَلَّمَات التى ما انزل بها الله من سلطان مع الواجبات و الطقوس الدينية بسبب عدم التعمق فى الدين و انتشار الجهل و الثقافة السماعية و النقلية التى تعتمد على النقل و الاستماع و لا تعتمد على القراءة و التعمق فى الاصول مما يكسب هذه المُسَلَّمَات قدسية زائفة تجعل كل من يحاول الهروب منها و عدم القيام بها متهما بالتقصير و مخطئا خطأ لا يغتفر فى نظر شرائح كبيرة من المجتمع...هذا عن ما يلقاه من يهرب من اتباع هذه المُسَلَّمَات فما بالك بالذى يهاجمها و يسعى لهدمها ..فهو تماما كمن يسعى لهدم اصنام يقدسها اهل الجاهلية و يعبدوناها من دون الله

و للأسف رغم كون الجهل و قلة المعرفة من المسببات الاساسية لانتشار و قوة هذه المُسَلَّمَات الا ان هذه المُسَلَّمَات تجد حظها من الانتشار بين المتعلمين و المثقفين تماما كحظها من الانتشار بين الاوساط الجاهلة و الاقل تعليما و يكون هذا الانتشار احيانا بفعل سلطة الاباء و اجبارهم للاجيال الجديدة على اتباع هذه المُسَلَّمَات و احيانا بسبب القدسية الزائفة لها و فى الغالب يقوم المتعلم و المثقف باتباع هذه المُسَلَّمَات بهدف تجنب الصدام و الهروب من الاتهام بمخالفة العادات و التقاليد رغم اقتناعه التام بان هذه العادات و التقاليد ليس لها اى قيمة و لا تمثل اى شىء بل بالعكس هى ارهاق مادى و نفسى له و لكنه يقوم بها لكى (يريح ماغه من الموضوع ده خالص) دون ان يدرى انه بهذا السلوك يرسخ هذه المُسَلَّمَات و ينقلها لاجيال اخرى و يقوى من سلطتها و قدسيتها الزائفة

و السؤال الذى يهدم هذه المُسَلَّمَات من اساسها هو السؤال البرىء الذى يجب ان يوجهه اى انسان عندما تطلب منه اتباعها و هو لماذا؟ او ليه؟...ففى هذه الحالة على من يطلب منى اتباع هذه المُسَلَّمَات ان يقدم لى السبب المنطقى لها و على ان اقتنع به او لا

فانا استطيع ان اقبل ان تكون هناك مُسَلَّمة او قاعدة رياضية لكن عنما ياتى الامر للعلاقات الانسانية و الاجتماعية فلا توجد مُسَلَّمَات او قواعد مطلقة و ما يكون صالحا للبعض كعادة او تقليد ليس بالضرورى ان يكون صالحا لى و من ناحية اخرى فانا اذا كنت مقتنعا بضرورة القيام بعادة او تقليد معين بشكل ما..فهل يحق لى ان افرض هذه العادة او التقليد على ابنائى مستخدما سلطتى الابوية عليهم و فارضا عليهم رؤيتى التى اقتنع انها هى الاصح على اساس انى اعرف مصلحتهم اكثر منهم؟...بالطبع لا

كل شخص من حقه ان يكون لديه المُسَلَّمَات و البديهيات التى يقتنع هو انها صحيحية بناء على تقافته و اقتناعه و اعماله لعقله للوصول لهذه المُسَلَّمَات و البديهيات...كل شخص من حقه ان يكون لديه عاداته و تقاليده و اعرافه التى يرتاح للقيام بها حتى ان لم يجد لها تفسير منطقى

و لكن ليس من حق هذا الشخص ابدا ان يفرض تطبيق كل هذا على الاخرين

2 comments:

سهيل ولى الدين said...

لو سمحتى كبرى خطك اكبر من كده فى ناس عواجيز عايزين يقرأوا كلامك الجميل!!!!!

deja vu said...

عذرا من ذلك كنت اعتقد ان شاشتي هي التي تعرض الخط صغيراً فقط

من هنا ورايح حكبر الخط لكل الموضوعات

اهلا وسهلا بيك

لكني احتاج عنوان مدونتك كي يمكنني من متابعتك وزيارتك من وقت لآخر ، إلا إذا خلصت القهوة من عندكم هههه ، مش مهم ، أجيب قهوتي معايا