November 12, 2008

تدوين و ما دون

مع التدوين تعرفتُ على عالم كبير مفتوح يعج بالكتاب وأصحاب الصوت العالي ورغم أنه يعتبر منشقاً عن الصحافة الأم إلا أنه يخرج من تحت هذا الجناح بسرعة كبيرة ويخلق شخصية جديدة مستقلة لها كيانها الذي لن يقل قريباً عن هيبة الصحافة ، وإن كانت هذه تنبؤاتي إلا أني اعتبر آخر من تنبأ

عندما نكتب أنا وأنت أيها المدون فنحن بالتأكيد مررنا بتجربة من الواقع أو مرت علينا أفكار من هنا وهناك أستحثتنا كي نكتب ، ومن يكتب يظل طوال الوقت يعاني من "هرش" الدماغ و "حكة" اليدين .. في النهاية نظل نهرول حتى نرمي بأحمال الكلام على السطور البيضاء

ومع التدوين تصبح لدينا عادة أعتبرها جميلة جداً وهي زيارة أصدقائك من المدونين وفي ذلك متعة كبيرة وفائدة أكبر ، فمثلاً وأنا هنا في جدة أستطيع أن أزور مدونات من ماليزيا وتونس ولبنان بل واليابان والزيارة هنا تتطلب قراءة موضوع على أقل تقدير وأحياناً التعليق عليه .. كل هذه الزيارات تعطيك انطباعات عن من هم وكيف يفكرون بل ومنهم من تقول لك موضوعاته كيف يعيش ومستوى ثقافته هذا عدا عن بعضهم الذي ترى احترافية عالية لمجرد الدخول لصفحته فمابالك متابعة الموضوعات التي يكتبها والتغطيات التي يقوم بها

وعندما تنظر إلى مجموعة من المدونين في نطاق تدويني واحد فإنك بالتأكيد ستتعرف على ملامح هذه النخبة من المجتمع بل والمشاكل الداخلية التي يتعرضون لها مهما كان نوعها وتبدء تكبر عندك المعلومات التي كونتها عن المدونين في أي مكان

أتحدث هنا عن المدونين العرب ، نحن يعني ، لم نزل نعاني من نفس المشاكل – كمدونين – التي نعاني منها كأفراد بين مجتمعاتنا ، كيف لا ونحن هم

لدينا مشكلة اللاتوافق .. نرفض بعضنا البعض .. تتقوقع كل مجموعة متشابهة على نفسها .. التحيز للرأي دون محاولة استخدام نظارة المنطق المحايد .. لا نعرف فن الاختلاف مع الآخر وكيفية التعامل معه على مستوى الفكر الراقي الذي يملكه كل واحد فينا حتى مع اختلافنا .. وطبعا أنا هنا أتحدث عن الشكل العام الغالب على أجواء التدوين ولستُ اُعمم ..

وفي الحقيقة هي ليست المشكلة الوحيدة .. بل في طياتها مشكلة أصغر تتحرك فيها كما الفيروس الذي يلهب الجسد بـ "السهر و الحمى" .. ففي ظل هذا الطنين العالي يحلو للبعض – الكثير من البعض – أن تشمل موضوعاته وتعليقاته : إهانة الآخر ، التقليل من شأن الآخر ، تسخيف الآخر و .....الخ من هذه الدوامة التي ما إن تبدء فإنها تطوف على كل شئ ولا تدع هدوءاً ولا ثباتاً إلا وابتلعته .. وكأن كل ذلك سيبني لاحقاً شيئاً نقتات به كمجتمع متهالك يريد ولو ماء السراب كي يقوم مرة أخرى ليكمل المسير الذي ابتدء منذ أن قالها عليه الصلاة والسلام "اليوم أكملتُ لكم دينكم" ..

بسؤال بسيط : ما الذي تثمر معه هذه الطريقة في الحوار؟ .. قد نجد إجابات كثيرة لكن هل سنجد إجابات حقيقية تتصل بما يحصل فعلاً؟ النتيجة أي الحصاد النهائي لكل هذه الموضوعات بكل أساليبها التي أتحدث عنها هنا هي ما أود التعرف على شكله النهائي

عندما نشتم المسيحي .. ونخون الأخواني .. ونحقر الوهابي .. ونسفه الوسطي ....الخ ما هي الثمرة التي نقطفها ونستمتع بطعمها وحلاوة الحصول عليها يا ترى؟؟ هل فعلاً هو جميل المكوث طوال الوقت على راس الحارة و الانقسام إلى فرق تشتم وتضرب بعضها البعض كما عصابات "الحارة السد"؟؟

الثمرة الوحيدة التي استطيع أن أراها على مائدة أحدهم هي الفرقة على مائدة الاستعمار ولا ننسَ المقولة القديمة الجديدة "فرق .. تسد" وهي مليون في المائة صحيحة

وفي الحقيقة أضمر شيئاً من وراء ذكر الاستعمار أو لنقل الصهيونية هنا

سأرجع سنوات كثيرة إلى الوراء .. فقد كانت تدفع ملايين الدولارات لتجنيد جواسيس وعملاء في كل الوطن العربي كي يتفكك .. واليوم مع ثورة الانترنت يدفع ربع المبالغ القديمة ربما لنفس الهدف والتلقائي هنا أن نعرف أن نتائج اليوم أسرع وأقوى من ذي قبل

الكثير من المدونات انشأت مخصوص لبث مزيداً من الشحناء والفرقة وقِس على ذلك المنتديات ورواد الفيس بوك واليو تيوب والنت لوج و ....الخ

أقول ذلك كي يعي كل منا مكانه وما يجري حوله ، وظني فيكم أنكم تعلمون ، إنما وجب التنبيه حول ضرر هذه الطريقة علينا

بعضنا يحب أن يدافع عن وجهة نظره بتحطيم فكر الآخر الذي يختلف معه ، وبعضنا يحب أن يقرأ فكر الآخر كي يتعرف على آفاق جديدة ويفهم من وما حوله ، وبعضنا أيضاً من يجتهد كي يبث الفرقة وهذا هدف مدونته .. ومن النوع الثالث فلنحذر جميعاً

في نهاية الأمر بعد أن نمسح كل ذلك الغبار من حولنا الذي لا نستطيع معه إلا أن نسمع أصواتاً ملعثمة نجد أن الرؤية لا غنى عنها بالصوت فقط .. وأننا يجب أن نرى بعضنا عندما نتحدث مع بعضنا .. والرؤية هنا تأتي بالحياد والرغبة في التعرف على الآخر مهما اختلفنا معه واختلف معنا .. بشرط الاحترام المتبادل


ولنركز قليلاً في فن قراءة بين السطور بشكل أفضل من ذي قبل كي نستطيع معرفة من هو صاحب هذا القلم أو ذاك حقيقةً
وماذا يريد حقيقة

يبقى لي أن أقول لكم أصدقائي
العقول الصغيرة تناقش الأشياء ، والعقول المتوسّطة تناقش الأشخاص ، والعقول الكبيرة تناقش المبادئ
ودائماً ابتدئ بنفسي في النصح كيما أستحثها على البدء في اغتنام الفوائد


***

ما استفز هذا الموضوع للخروج هو مروري ببعض المدونات التي تخصص لنفسها مساحة ووقتاً كبيراً لإهانة طرفاً آخر يغايرها في المعتقد والفكر ، ثم تزامن ذلك مع تدوينة بين الصحافة والتدوين لصديقي راجي التي أشكره عليها

3 comments:

راجى said...

اشكرك يا صديقتى

ناصر said...

مافعلته السيدة نوارة واوضحه السيد راجي بشكل رائع، كان ضرورة ملحة ولا تقبل التأجيل
ولم نخوض مجال التدوين ليتسلل عفن الانظمة وخبث الاستعمار الى صفوفنا
واتفق مع خلاصتك:
العقول الصغيرة تناقش الأشياء ، والعقول المتوسّطة تناقش الأشخاص ، والعقول الكبيرة تناقش المبادئ

Yasser_best said...

حين تغيب ثقافة احترام الاختلاف، يصبح الجدل سوطاً وهراوة تضرب الجميع وتجلد "الآخر"

التعصب للرأي والفكر والمفاهيم المتوارثة يخلق حالة تشنج لدى كثيرين
والنتيجة كما نرى، في التدوين..والحياة