November 9, 2008

صديقتي نورا

من يعيش في جدة يعتاد كلما ذهب إلى مطاعم الجانك فود او ذهب إلى مكتبات جرير والعبيكان أو أي مكان تسوق آخر ، يعتاد على رؤية بعض الأطفال يبيعون لبان ( علكة ) أو مناشف مطبخ ، بنات وأولاد أفغانيين ، في الغالب ، وأحياناً يجلس الأب بعيداً يبيع هو الآخر ما تيسر

كثيراً أتسائل كيف وأين يعيش هؤلاء .. وهل الحياة لديهم ، أي هؤلاء الأطفال ، هي هذه العلبة التي يبيعون منها طوال النهار؟

كلما ذهبت أنا وزوجي لشراء بعض الجانك فوود "عالية الكالوري" من هارديز أو ماكدونالدز ..الخ أجد فتيات لا يزيد عمر الواحدة منهن عن الثلاث عشرة عاماً يهرولن كل مرة إلى سيارتنا كلما رأوها ، وفي كثير من الأوقات أظل أتأملهن وأنا أدعو لهن من كل قلبي أن يحميهن الله من كل مكروه وشر ، وهنا أنا أعني تحديداً نوعاً واحداً من الشر الذي يكثر هذه الأيام

توقفنا بانتظار ان يأتي طلبنا .. وإذا بـ نورا تمشي والهواء يلعب بشعرها الناعم الصغير وتلمع بشرتها البيضاء تحت أشعة الشمس الحارقة متجهة نحونا .. اقتربت لتبدو ملامحها أكثر وضوحاً ، يا إلهي كم هي جميلة بل وذكية وخفيفة الظل .. وقفت بجانب السيارة ترجونا بابتسامة جذابة أن نشتري بريال لبان

كعادة ميدوسا .. يحب أن يتحدث معهم ..

سألها : ما اسمك
قالت : نورا

هو : بتروحي المدرسة يا نورا؟
هي : نعم

قال لها : هل هي مدرسة للأفغانيين؟
قالت : لا .. مدرسة انجليزية

!!!!!!!!!!!

قال لها مختبرا :
Do you speak English?
قالت بسرعة وطلاقة
Yes I speak English

نظرنا انا وميدوسا الى بعض متعجبين ، ألهذا الغرض يتكبد هؤلاء الأطفال عناء الحياة في الشارع؟؟

ميدوسا : ممكن أصورك يا نورا بس صورة
هي بابتسامة جميلة وذكية : لا
ثم وضعت ذراعها على وجهها عندما اصر ميدوسا ، كي نلتقط كم العباءة فقط



ما ان اختفت الكاميرا أزاحت يدها مرة أخرى

لم أكن أريد لباناً ، لكني كنت أريد لهذه الفتاة أن تجلس في بيتها كما كل أطفالنا لتنال حقها في التعليم دون أن تضطر إلى مواجهة الطيبين والأشرار من الناس كل يوم

أعطيتها ما تيسر وفي قلبي نية أن يبارك لها في كل ريال كي تستطيع ان تكمل تعليمها ، فهي كما كل أطفالنا ثروة بشرية لو أحسنا استثمارها قد تكون إحدى رائدات المستقبل وما الماضي إلا أفضل مثالاً نستخدمه للحاضر

صديقتي نورا مثالاً لكل الأطفال اللذين نلتقيهم كل يوم ولا نلقي لهم بالاً .. نعبر طريقنا وننساهم ، وكأنهم ليسوا مسئوليتنا هم أيضاً مثل أطفالنا

يقول أحد المسئولين النفسيين الذين التقيتهم يوماً أن بعض هؤلاء الفتيات يتعرضن للالتقاط واغتصابهن في ذات المكان داخل السيارات ، وغيرهن ممن يختطفن ليصبحن مادة دسمة يقضي عليها مجموعة من الشباب ليلتهم الحمراء وأخريات ممن يتقبلن ذلك بحفنة من الريالات ، فتيات وفتيان! وبعض من هؤلاء الفتيات يقص أهلها شعرها كي تبدو صبياً ، يذكرني ذلك بفيلم "أسامة" التي اضطرت امها لقص شعرها كي تستطيع العمل وجلب لقمة كل يوم

وما زلنا .. لا نكترث لهم عندما نراهم ، ونضيق بهم ذرعاً عندما يطرقون شباك السيارة لنشيح بأيدينا أن ابتعدوا أو نرد رداً بارداً : الله يرزقكم .. وقد لا نعنيها ونحن نقولها لهم

في إحدى البرامج تحدث شيخاً جليلاً عن المعنى الحقيقي لزكاة الأموال .. وصراحة عندما سمعت ما قاله ذهلت لأنك تسمع وكأنك تسمع لأول مرة وفي ذات الوقت أنت تعلم ما قاله وسمعته من قبل

الحكمة من زكاة المال هي تبنّي الطاقة البشرية من أبناء الفقراء ومساعدتهم في القيام والتأسيس كيما يصبحون في غد قادرين على الانتاج ، وبذلك لن يكون هناك فقراء على المديين القريب والبعيد في المجتمع

أي أن الزكاة ليس مال يدفع لإطعام وكسوة بعض الفقراء ، بل هو مالاً يراد به أفراداً كي يتساوو مع الوقت بباقي أفراد المجتمع من الأغنياء أو من هم فوق الحد الأوسط كيما تصفو النفوس ويصبح الكل وحدة واحدة قادرين على الانتاج في كل أحواله

فلو افترضنا أن اجتمعت زكاة مال عدداً من الأغنياء ثم تم اختيار عدداً من الشباب الواعدين من هم تحت خط الفقر وتبني فكرهم وطاقاتهم البشرية واعطي احدهم مثلا نصف مليون ريال أو دولار مثلا ، تخيل اننا مع الوقت لن نجد أولاد شوارع يجوبون الطرقات كي تلتهمهم ذئاب الظلمة والعوز والجهل ، وتخيل مع ذلك كيف سيتحول المجتمع إلى مجتمع نهضوي منتج ، وبذلك سيصبح سعر المجتمع منافساً لسعر المجتمعات في الدول المتقدمة ، أي سيصبح أسم هذا المجتمع : مجتمع متقدم

الغريب فعلاً أن الاسلام هو أول وأكمل نظام تكافلي اجتماعي ، والغرب هم أفضل من تبنى هذه النظرية للنهوض بمجتمعهم وليس نحن

سؤالي .. هل فعلاً نحن مستعدين أن نقدم زكاة أموالنا بإدارة ودراية ودراسة ونظام ، أم أننا نفضل أن نسكت الأفواه الجائعة ونترك العقول خاوية ، ونفترض اعتباطاً أننا غير مسئولين إلا عن أنفسنا وأهلينا ونحتج بأننا ندفع زكاة المال ولا نتهاون فيها؟

كم تمنيت أن أملك المال الذي اتبنى فيه ولو طفل واحد وتعليمه وتحضيره لمستقبل يصبح به مثالاً للفرد المسلم .. اللهم اعطني الخير كي اعطي به الخير للغير .. وارزقني على قدر النوايا

وتظل نورا صديقتي التي احبها وادعو لها بأن يحميها الله من كل شر ويرزقها كل خير .. بل وكل نورا هي صديقتي

هلا بدئنا نفكر في طريقة نحمي ونساعد بها هؤلاء الفتيات والفتيان ، فـ "كلنا مسئول عن رعيته"

2 comments:

حـنــّا السكران said...

صباح الخير

كويّس إني ألقيت القبض على مدونتك أخيرا بعد ما فقدت العنوان بعد اّخر فورمات ..بعد ما ظبطّتك هلّئ متلبّسة بتعليق جميل عند الأخ راجي من مصر .و جيت من غير ما اعرف انه هيدي انت ملـّى انت .. جيت لانه عجبني التعليق طبعا
ـ أنا صار لي كم سنة عايش بجدة بحكم العمل ..و يومياً تقريبا بشوف تلك البراءة المبعثرة في الطريق أمثال الطفلة نورا ..و غالباً ما أحبّ محادثتهم و المزاح معهم و اكتشاف ابتساماتهم الجميلة ..و دائما تأخذني نفس الأفكار التي أخذتك .. إلا اني لست متفائلا للأسف ..الأغرب في الموضوع يا سيدتي .و بعيدا عن الطفولة التي من واجبنا البحث عن طريقة لحمايتها جميعا .. انه البارحة استوقفني شاب سعودي و لم يكن يبيع شيئا بل كان يسأل المال من المارة .. و هو لا يعاني من أية إعاقة ..بل هو شاب عادي جدا و يبدو في العشرينات .. الحقيقة حزّ في نفسي جدا هذا المشهد .. كنت أريد الحديث معه لكني لم أجد جدوى من ذلك .. و لم أستطع النظر إليه نظرتي لنورا و أخواتها .. بل اعترف اني شعرت بخوف شديد ..الحياة أصبحت مخيفة جدا ..و سؤال مالذي اضطر نورا .. ثم مالذي اضطر هذا الشاب لما هو عليه ..أصبح سؤالا مخيفا لأن الجواب يحتوي في طياته الكثير من الرعب و الألم كما أعتقد ..
ـ تحياتي لك .. و انا سعيد باكتشافك من جديد ..
يسعد صباحك

جو غانم ..صاحب العقل المتجمد الشمالي
و حنا السكران في مرحلة لاحقة

deja vu said...

يا ألف أهلاً وسهلاً يا جو

لا أعرف لماذا اظن كلما زرتُ مدونتك أنك من طرابلس لبنان ، اعتقد من وجهة عقلك الذاهبة للشمال وليس كونه متجمداً بالطبع فأمي ترجع من طرابلس في الأصل هههههه

أشكرك على اهتمامك وألوم نفسي أحياناً على تقصيري في حق أصدقائي المدونين وفي حق نشاطي التدويني في حد ذاته

يسعد صباحك مرة أخرى

وفيما يخص نورا

صدقني أشعر بغصة في قلبي كلما رأيتها ورأيت أمثالها ، ولا تسأل لماذا أصبح الوضع هكذا

نحن نعرف لماذا يحصل مع الناس ذلك لكننا لا نعرف لماذا يفعل الناس ، أو بالأحرى لا يفعل الناس ذلك

الناس يا جو أصبح ميسورها يغلق على صندوق ماله ، وفقيرها يتعشم في الخلق أن يرزقه الرزق بيد أن الرزق بيد الله وحده

قلة احترام الغني لله وقلة إيمان الفقير بالله تساوي هذه المعادلة ما نراه بل وفي غد هو أسوأ وأرجو أني غير متشائمة

أعود لأقول .. لو كل غني فهم مضمون الزكاة والصدقة والكفارة لما كان بيننا اليوم فقير

لك مني التحية وكل الاحترام