قال لي بعض أصدقائي المشاكسين : هل حقاً أنت ترتشفين قهوتك عندما تقرئين المقالات التي تستضيفينها في مدونتك هنا؟ .. قلتُ : بالتأكيد نعم ، فأنا بعد عمل مجتهد طوال اليوم آتي في نهاية اليوم أحمل فنجان - أو قل "ماج" - قهوتي الصغير وأضعه أمامي وارتشفه بين كل هنيهة وأنا أتفصح مقالات أصدقائي المدونين وغير المدونين
وصل فنجاني إلى منتصفه دون أن أدري وأنا أقرأ مقال هشام صاحب الكلام ، الذي أعجبني عنوانه تماماً كما أحببتُ مضمونه .. تفضلوا معي ..
المُسَلَّمَة فى علم الرياضيات هى القاعدة الرياضية المُسَلَّم بها و لا تقبل النقاش و التى تم اثباتها رياضيا بحيث يمكن استخدامها كقاعدة تبنى عليها قواعد اخرى او تحل بها المسائل الرياضية و تستخدم كذلك فى البراهين
و اذا كان مفهوم المُسَلَّمَة يمكن الاخذ به فى الرياضيات حيث لا يختلف اثنان على ان 1+1=2 فأنه من غير المفهوم ان يمتد مفهوم المُسَلَّمَات و القواعد التى لا تقبل النقاش الى العلاقات الانسانية و الاجتماعية بين البشر بحيث اصبحت هناك مجموعة من المُسَلَّمَات تأخذ شكل البديهيات و الامور المعترف بها ضمنا رغم انه لا يوجد اى مبرر منطقى لها يجبرنى على اعتبارها الاختيار الوحيد امامى او الطريق الصحيح الذى يجب ان اسير فيه
و تأخذ هذه المُسَلَّمَات مسميات متعددة مثل العرف و العادات و التقاليد الموروثة عن الاباء و الاجداد و التى يجب احترامها و اتباعها دون نقاش و تختلف هذه الاعراف و العادات و التقاليد الموروثة من بلد الى اخر بل و من اقليم الى اخر داخل نفس البلد
قد ينظر البعض الى هذه المُسَلَّمَات على انها جزء من هويته و موروثه الثقافى و الاجتماعى و الدينى رغم انها قد لا تشكل اى عمق اجتماعى او تمثل اى مفهوم ثقافى او دينى و لكنها مجرد مجموعة من الافعال و التقاليد التى تجرى بتتابع و اسلوب معين دون ان تعرف ما دلالتها و ما الهدف منها و لا تشكل سوى عبء مادى و نفسى زائد على من يقوم بها مضطرا حتى لا يتهم بمخالفة العرف و القواعد و التقاليد
قد يكون هناك تفسير او مبررلأتباع هذه المُسَلَّمَات اذا كانت نابعة مثلا من اوامر و نواهى دينية ففى هذه الحالة فهى لها مبرر منطقى و مقبول...أما اذا كانت مجرد نابعة من عادات و تقاليد و موروثات الاباء فلابد فى هذه الحالة ان اقتنع ان لها سبب منطقى وواقعى مناسب للعصر الذى نعيش فيه و الا كان فعلنا لها و حرصنا عليها هو مجرد لاننا وجدنا عليها ابائنا و نكون بهذا نضع بايدينا اغلال و نحمل انفسنا اعباء نفسية و مادية تجعـل حركتنا اصعب و حياتنا تعس و لا نختلف فى اتبعانا لها عن سلوك اهل الجاهلية الاولى الذى كان تفسيرهم لعبادتهم الاصنام التى لا تنفع و لا تضر هو ان هذا ما وجدوا عليه اباؤهم ففعلوا مثلهم
و الشىء الخطير هو اختلاط هذه المُسَلَّمَات التى ما انزل بها الله من سلطان مع الواجبات و الطقوس الدينية بسبب عدم التعمق فى الدين و انتشار الجهل و الثقافة السماعية و النقلية التى تعتمد على النقل و الاستماع و لا تعتمد على القراءة و التعمق فى الاصول مما يكسب هذه المُسَلَّمَات قدسية زائفة تجعل كل من يحاول الهروب منها و عدم القيام بها متهما بالتقصير و مخطئا خطأ لا يغتفر فى نظر شرائح كبيرة من المجتمع...هذا عن ما يلقاه من يهرب من اتباع هذه المُسَلَّمَات فما بالك بالذى يهاجمها و يسعى لهدمها ..فهو تماما كمن يسعى لهدم اصنام يقدسها اهل الجاهلية و يعبدوناها من دون الله
و للأسف رغم كون الجهل و قلة المعرفة من المسببات الاساسية لانتشار و قوة هذه المُسَلَّمَات الا ان هذه المُسَلَّمَات تجد حظها من الانتشار بين المتعلمين و المثقفين تماما كحظها من الانتشار بين الاوساط الجاهلة و الاقل تعليما و يكون هذا الانتشار احيانا بفعل سلطة الاباء و اجبارهم للاجيال الجديدة على اتباع هذه المُسَلَّمَات و احيانا بسبب القدسية الزائفة لها و فى الغالب يقوم المتعلم و المثقف باتباع هذه المُسَلَّمَات بهدف تجنب الصدام و الهروب من الاتهام بمخالفة العادات و التقاليد رغم اقتناعه التام بان هذه العادات و التقاليد ليس لها اى قيمة و لا تمثل اى شىء بل بالعكس هى ارهاق مادى و نفسى له و لكنه يقوم بها لكى (يريح ماغه من الموضوع ده خالص) دون ان يدرى انه بهذا السلوك يرسخ هذه المُسَلَّمَات و ينقلها لاجيال اخرى و يقوى من سلطتها و قدسيتها الزائفة
و السؤال الذى يهدم هذه المُسَلَّمَات من اساسها هو السؤال البرىء الذى يجب ان يوجهه اى انسان عندما تطلب منه اتباعها و هو لماذا؟ او ليه؟...ففى هذه الحالة على من يطلب منى اتباع هذه المُسَلَّمَات ان يقدم لى السبب المنطقى لها و على ان اقتنع به او لا
فانا استطيع ان اقبل ان تكون هناك مُسَلَّمة او قاعدة رياضية لكن عنما ياتى الامر للعلاقات الانسانية و الاجتماعية فلا توجد مُسَلَّمَات او قواعد مطلقة و ما يكون صالحا للبعض كعادة او تقليد ليس بالضرورى ان يكون صالحا لى و من ناحية اخرى فانا اذا كنت مقتنعا بضرورة القيام بعادة او تقليد معين بشكل ما..فهل يحق لى ان افرض هذه العادة او التقليد على ابنائى مستخدما سلطتى الابوية عليهم و فارضا عليهم رؤيتى التى اقتنع انها هى الاصح على اساس انى اعرف مصلحتهم اكثر منهم؟...بالطبع لا
كل شخص من حقه ان يكون لديه المُسَلَّمَات و البديهيات التى يقتنع هو انها صحيحية بناء على تقافته و اقتناعه و اعماله لعقله للوصول لهذه المُسَلَّمَات و البديهيات...كل شخص من حقه ان يكون لديه عاداته و تقاليده و اعرافه التى يرتاح للقيام بها حتى ان لم يجد لها تفسير منطقى
و لكن ليس من حق هذا الشخص ابدا ان يفرض تطبيق كل هذا على الاخرين