November 17, 2010

فودا فون .. خطأ مدروس واعتذار غير مقصود







كثير منا شاهد اعلان فودا فون الأخير، الذي يقدم مقارنة بين سرعة خط انترنت فودافون وغيره من الشركات، وقد اختير السيناريو لتوصيل هذه الفكرة بمقارنة محاولة عباس بن فرناس للطيران وطيارة الأخوان رايت التي طارت لأول مرة في ذاك الوقت.



حقيقة الشئ الذي استفزني أن أكتب هو خلفية هذا الإعلان والخدعة التي قدمتها شركة فودا فون لتهدئة الشارع المصري كردة فعل، هذا الاعتذار الأنيق المدروس الذي قدمته الشركة للعملاء الذين تحترمهم، على افتراض ذلك بالطبع.



"ضربني في زفة وصالحني في عطفة" .. نعم هو هكذا، فالإعلان قد عرض في القنوات لكن الاعتذار كان مكتوباً ولم يعرض في التلفزيون، وما أراه من تقديم إعلان كهذا أنه فكرة ذكية خانت أصحابها وحولتهم إلى كتلة من الأغبياء.



فالإعلان قدم أمثولة يرتبط بها المسلمين والعرب عاطفياً بالكثير من الفخر، وفي وقت يعيش جميع المسلمين مشاعرعاطفية عالية، عيد الأضحى .. ففكرة الكوميديا التي طرحها الإعلان لن يراها الناس في مشاعر خاصة عالية عند هذا الكم من الناس سوى سخرية وقحة قميئة.



تقول فودا فون في اعتذارها على صفحتها الخاصة في الفيس بوك ما نصه:



"كواحدة من كبرى الشركات حول العالم، تحترم فودافون تراث كافة الدول التي تعمل بها. ينعكس ذلك في احترام كافة الشخصيات التاريخية التي أثرت العلم و الثقافة و الفنون حول العالم.فودافون مصر هي أيضا جزء من هذا اﻻلتزام وتعمل جاهدة لنيل ثقة كافة عملاءها الكرام.

فيما يخص احد الإعلانات الحديثة للشركة و التي ظن بعض عملاءنا أن بها استهزاء بأحد الشخصيات التاريخية، فإننا نؤكد أنه لم تتواجد لدينا نية لذلك على اﻻطلاق. ما سعينا إليه هو استخدام اﻻطار الكوميدي الذي يلقى استحسان لدى المصريين لرسم اﻻبتسامة على الوجوه.
على الرغم من ذلك، فقد قررت الشركة. ازالة الإعلان من المواقع الأكترونية مثل يوتيوب و صفحة الفيس بوك الخاصة بالشركة. كما تقرر وقف إذاعة اﻻعلان على المحطات التليفزيونية. ومن المتوقع أن يتوقف إذاعة الإعلان تماما على كافة المحطات خلال أيام نظرا لإجازات عيد الأضحى المبارك والتي تجعل من الصعوبة إيقاف اﻻعلان فورا. ولكن يتم إيقاف اﻻذاعة تدريجيا علي قناة تلو الأخرى لحين إعادته بما يضمن عدم اﻻساءة إلى احد.
نتمني أن تحوز استجابتنا على رضاء كافة عملاءنا و نتمنى أن تستمر ثقتهم الغالية و استمتاعهم بكافة ما نقدمه من خدمات



شكرا

فودافون – مصر"



**** ***** *****




ولنقم بتحليل هذا النص ..



المعايير التي تعلمها كل الشركات الصغرى والكبرى في العالم فيما يخص تقديم نصاً أو مادة إعلانية للجمهور هو أن معايير الاحترام لا بد وأن تشمل فيما تشمل الدين، الثقافة، التقاليد، الأعلام والشخصيات المتصلة بهذا المجتمع بأي شكل، والتراث المعمول به.



والتلاعب موجود في تحوير كل ذلك لصالح الفائدة التي ترجوها هذه الشركات، وهذا دائماً أولاً وأخيراً، ثم تأتي للعوائد المعنوية والشكل العام والانطباع الذي يترك عند الناس وهم المستهدفين، وهمُ لا تصب إليهم الفائدة الأجم بطبيعة الحال. ونحن لسنا بصدد تحليل علاقة الشركة بالعملاء هنا.



لو دققنا في نص الاعتذار .. ولا أعلم نسبة من وصلهم هذا الاعتذار مقابل نسبة من شاهدوا واستاؤوا من الإعلان في الأصل .. سنجد ما يلي




*

"..... فيما يخص إحدى الإعلانات الحديثة للشركة و التي ظن بعض عملاءنا أن بها استهزاء بأحد الشخصيات التاريخية، فإننا نؤكد أنه لم تتواجد لدينا نية لذلك على اﻻطلاق. ما سعينا إليه هو استخدام اﻻطار الكوميدي الذي يلقى استحسان لدى المصريين لرسم اﻻبتسامة على الوجوه...."

تقدم الشركة هنا تأكيداً على عدم وجود "نية" الاستهزاء على الإطلاق



وبناء على كونها "واحدة من كبرى الشركات حول العالم" فإن عامل النية يظهر جلياً في كل مادة إعلانية وترويجية تقدمها، ولا ينفع مطلقاً أن تأتي لتقول للناس "سوري ما كنش قصدي" .. فهذا الإعلان ذي الثواني المعدودة قد حصد من فريقَين عمل شهوراً بين زرع فكرة وحصدها وكتابة سكريبت وستوري بورد والكثير من الأمور الفنية وغير الفنية، وأقصد بغير الفنية هنا دراسة شرائح المجتمع وأنماط التفكير وما إلى هنالك، مما يؤيد نظرية "النية" المُبيتة، وبطبيعة الحال لن تجد شركة ضخمة معروفة تجازف بكارد "النية" هذا




**

"... ًومن المتوقع أن يتوقف إذاعة الإعلان تماما على كافة المحطات خلال أيام نظرا لإجازات عيد الأضحى المبارك والتي تجعل من الصعوبة إيقاف اﻻعلان .."



تعلن الشركة هنا أن الإعلان قد تم سحبه من كل القنوات والمواقع، وبالنظر إلى الوقت الذي تحتاجه فودا فون لإيقاف العرض، فإنها فترة كافية جداً لتوصيل فكرة الإعلان إلى الجمهور بل والأهم هو تنفيذ الهدف المرجو في الأصل




***

"... نتمني أن تحوز استجابتنا على رضاء كافة عملاءنا و نتمنى أن تستمر ثقتهم الغالية و استمتاعهم بكافة ما نقدمه من خدمات .."



أستطيع أن أقول بكل ثقة أن هذا هو أهم جزء في هذا الخطاب. فكما قلنا، الهدف من رضا العميل وإرضائه هو استمرار الشركة في حصد نتاجها وأرباحها ليس أكثر من ذلك خاصة إن كانت "شركة اتصالات".

الشكل الأنيق والرد السريع الذي يظهر بإعلان إعتذار هو التصرف المنطقي كي لا يتم نبذ الشركة من قبل سبعين مليون مستخدم والأهم كي يستمر استنزاف عقول وأموال هذا العدد.




**** **** *****




إذاً ما القصة وما ورائها؟

فودا فون صادقة في قولها أنها لم تكن هناك نية الاستهزاء بأحد .. فهي فعلياً خبأت نية أخرى غير معلنة.
لنقرأ معاً السيناريو ...



في أجواء صحراوية غير مأهولة يأتي شباب كووول من المستقبل ..

يقول أحدهم ..." ريش ايه .. ريش ايه .. ده ما حدش يعرفك غيرنا"
محدثاً هذا الذي يظهر بمظهر غبي في كونه يريد أن يطير بكتلة من الريش من مرتفع عالي.
(هنا يظهر طمس لمعالم شخصية معروفة بإسقاط مفهوم أنه "غير معروف" سوى لنفر من الأشخاص، ما يعني أنه شخصية نكرة لا توجد في أي صفحة من صفحات التاريخ)



يقول نفس الشخص .." براوز يابني ع الاخوان رايت" ..

(بعد إزالة المعلومة الأولى يتم تثبيت معلومة بديلة والتركيزعليها)



يقول الآخر .. "هم برضه اتبهدلوا .. بس الناس فاكراهم"

(الآن تجري عملية تثبيت المعلومة الجديدة في الأذهان)



فور سقوط "عِبس" - وهنا استخدمت هذه الكنية وطريقة المناداة بها من باب تسخيف الشخص للإطاحة بمعياره العالي لدى المتلقي، وقد كانت الإطاحة هنا صوتاً وصورة للتثبيت – فور سقوطه أتى الفريم التالي -اللقطة التالية - يقدم صفحة الويكيبيديا الخاصة بالأخوان رايت لتحويل المعلومة إلى صورة موثوقة يليها تقديم صفحة فيس بوك شخصية بـ عباس بن فرناس، وليس صفحة ويكيبيديا، تطلق ضحكاتنا الساخرة على حال هذا المسكين، والتي تؤكد نجاح عملية البرمجة لتغيير معتقد المتلقي – المشاهد-.










الاعلان يقصد إلغاء قيمة نحملها وإسقاط قيمة أخرى، وتعني أن من طار فعلياً هما الأخوان رايت وليس هذا الذي سقط في الإعلان كالأبله.



وبالمناسبة .. كان الهدف من هذا الإعلان تعميم الإلغاء والزرع في آن واحد على كل الأمور المماثلة وليس بالضرورة عباس بن فرناس وغريمَيه الأخوان رايت. فهنا يتم تعميم الصورة على كل إسم تاريخي نحترمه واستبداله بكل اسم مقابل يأتي معه في نفس السلسلة.



قد يكون هناك سخرية لكنها ليست الهدف المباشر والأهم، وأرى أن فودا فون قد أخطأت في اختيار هكذا سيناريو كواجهة تمويهية وكان يجدر بها اختيار معايير سينماتيكية أعلى لاقتحام لاواعي المشاهد وتوفير عناء الاعتذار وتقصي وقف الاعلان.



في رأيي .. يفضل عدم نشر الإعلان إلا بإرفاق تحليل كامل لخلفيته الفنية والإعلامية



أمر أخير، علينا التنبه إلى أن جميع شركات الاتصال تقدم في إعلاناتها، والتلفزيونية خاصة، صورة مرئية تمويهية ودائماً عالية المعايير الفنية، وتسرب رسائل مدمجة غير مباشرة ومخفية لبرمجة الناس. 


لا ضير في مشاهدة ما نريد، ولكن علينا أن لا نشاهد بكل تلك الثقة بأنه فقط جميل ومبدع ولنتأكد أن هناك ما ورائيات تستهدفنا وعقولنا وأبنائنا وأموالنا



وهاكم الإعلان للتعرف عليه عن قرب

3 comments:

Anonymous said...

شكراً ديجافو على الطرح المميز...بالنسبة إلى نقطة أنهم كانوا يعملون شهوراً طويلة على صناعة هذا الإعلان ... وهذا يدلل على نيتهم السوداء!

فأقول هنا من خلال خبرتي في مجال صناعة الإعلان ... في عالم الإعلان تقوم الشركات الإعلانية بتعيين مديراً ليدير حساب الشركة التي يقومون بصناعة الإعلان من اجلها ...وفي بعض الأحيان يكون هذا المدير من لا ينتمي إلى ذت البلد أو ذات الشريحة الإجتماعية فبالتالي يكون لديه نقص في فهم الشريحة الإجتماعية المقدم لها هذا الإعلان...وعليه فيكون هناك تباين في جودة عمل كل مدير ...وبالتالي مدراء حسابات المعلنيين يعاملون كما يعامل لاعبي الكرة المحترفين ولهم أسعارهم .. وأنا أرى أن يكون من المحتمل أن الاعب المحترف الذي لعب في هذه المباراة قد يكون تلقى تدريباً غير كافياً .. ولكن السؤال اليس هناك مدراء ألعى منه يوافقونه أو يرفضونه !!

على كل الأحوال شكراً فودافون مسارعتها بالإعتذار...شكراً لونا لهذا التحليل الإعلامي الإعلاني المتقن .
مُعِز الرماح.

راجى said...

الله ينور عليكى ، برافو

سمو الامير said...

تعرف إن دي أول مرة أشوف الاعلان القذر ده

بجد حاجة تقرف

أنا معايا خطين واحد فودافون والتاني اتصالات

كده نويت إني استغني عن خط فودافون بس اعرف الناس رقمي التاني الأول

شكرا ليك ع البوست ده